المقطع الثالث · 08:32–14:54

حاجتنا إلى التفكير العلمي عربيًا

يناقش المؤلف التناقض بين الاعتزاز بإنجازات علماء الحضارة الإسلامية قديمًا وبين مقاومة المنهج العلمي في الحاضر، ويدعو إلى تحويل الفخر بالماضي إلى عمل علمي معاصر.

100٪
النص الأصلي٦٧٠ كلمة

وفي اعتقادي أن موضوع التفكير العلمي هو موضوع الساعة في العالم العربي؛ ففي الوقت الذي أفلح فيه العالم المتقدم — بغضِّ النظر عن أنظمته الاجتماعية — في تكوين تراث علمي راسخ امتد — في العصر الحديث — طوال أربعة قرون، وأصبح يمثل في حياة هذه المجتمعات اتجاهًا ثابتًا يستحيل العدول عنه أو الرجوع فيه. في هذا الوقت ذاته يخوض المفكِّرون في عالمنا العربي معركة ضارية في سبيل إقرار أبسط مبادئ التفكير العلمي، ويبدو حتى اليوم — ونحن نمضي قدمًا إلى السنوات الأخيرة من القرن العشرين — أن نتيجة هذه المعركة ما زالت على كفَّة الميزان، بل قد يخيَّل إلى المرء في ساعات تشاؤم معيَّنة أن احتمال الانتصار فيها أضعف من احتمال الهزيمة.

وفي هذا المضمار لا أملك إلا أن أشير إلى أمرَين يَدخُلان في باب العجائب حول موقفنا من العلم في الماضي والحاضر:

الأمر الأول: هو أننا — بعد أن بدأ تراثنا العلمي في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية بداية قوية ناضجة سبقتنا بها النهضة الأوروبية الحديثة بقرون عديدة — ما زلنا إلى اليوم نتجادَل حول أبسط مبادئ التفكير العلمي وبديهياته الأساسية، ولو كان خطُّ التقدم ظل متصلًا — منذ نهضتنا العِلمية القديمة حتى اليوم — لكُنَّا قد سبَقْنا العالم كله في هذا المضمار إلى حدٍّ يستحيل معه أن يلحق بنا الآخرون. ومع ذلك ففي الوقت الذي يَصعدون فيه إلى القمر، نتجادل نحن عما إذا كانت للأشياء أسبابها المحدَّدة وللطبيعة قوانينها الثابتة أم العكس.

وأما الأمر الثاني فهو أننا لا نكفُّ عن الزهو بماضينا العلمي المجيد، ولكنَّنا في حاضرنا نُقاوم العلم أشد مقاومة. بل إن الأشخاص الذين يحرصون على تأكيد الدور الرائد الذي قام به العلماء المسلمون في العصر الزاهي للحضارة الإسلامية، هم أنفسهم الذين يحاربون التفكير العلمي في أيامنا هذه؛ ففي أغلب الأحيان تأتي الدعوة إلى الدفاع عن العناصر اللاعقلية في حياتنا، والهجوم على أية محاولة لإقرار أبسط أصول التفكير المنطقي والعلمي المنظَّم، وجعلها أساسًا ثابتًا من أُسس حياتنا؛ تأتي هذه الدعوة من أولئك الأشخاص الذين يَحرصون — في شتى المناسبات — على التفاخُر أمام الغربيين بأن علماء المسلمين سبقوهم إلى كثير من أساليب التفكير والنظريات العِلمية التي لم تعرفها أوروبا إلا في وقت متأخر، وما كان لها أن تتوصل إليها لولا الجهود الرائدة للعلم الإسلامي الذي تأثَّر به الأوروبيون تأثُّرًا لا شك فيه.

ومن الجلي أن هذا الموقف يُعبِّر عن تناقض صارخ؛ إذ إن المفروض فيمن يزهو بإنجازاتنا العلمية الماضية أن يكون نصرًا للعلم، داعيًا إلى الأخذ بأسبابه في الحاضر؛ حتى تُتاح لنا العودة إلى تلك القمة التي بلغناها في عصرٍ مضى، أما أن نتفاخَر بعلم قديم، ونستخفَّ بالعلم الحديث أو نُحاربه، فهذا أمر يبدو مستعصيًا على الفهم.

وتفسير هذا التناقُض يَكمُن — من وجهة نظري — في أحد أمرَين؛ فمن الجائز أن أولئك الذين يفخرون بعلمنا القديم إنما يفعلون ذلك؛ لأنه «من صنعنا نحن»؛ أي إنهم يُعْرِبون بذلك عن نوع من الاعتزاز القومي، ومن ثم فهم لا يأبهون بالعلم الحديث ما دام «من صنع الآخرين». ومن الجائز أيضًا أن تأكيدهم لأمجاد العرب في ميدان العلم إنما يرجع إلى اعتزازهم «بالتراث» أيًّا كان ميدانه؛ ومن ثم فإن كل ما يَخرج عن نطاق هذا التراث يَستحِق الإدانة أو الاستخفاف في نظرهم، وسواء أكان التعليل هو هذا أو ذاك، فإن الحلم الذي وصلنا إليه في الفترة الزاهية من الحضارة الإسلامية لا يُمجَّد لأنه «علم» بل لأنه واحد من تلك العناصر التي تتيح للعرب أن يعتزُّوا بأنفسهم أو بتراثهم.

ولكننا إذا شئنا أن نكون متَّسقين مع أنفسنا، وإذا أردنا أن نتجاوز مرحلة اجترار الماضي والتغني بأمجاد الأجداد، وإذا شئنا ألا نبدو أمام العالم كما يبدو أولئك العاطلون الذين لا رصيد لهم من الدنيا سوى أن أجدادهم القدامى كانوا يحملون لقب «باشا» أو «لورد» أو «بارون»، فعلينا أن نحترم العلم في الحاضر مثلما احترمناه في الماضي، وأن نعترف بأن هذا الأسلوب في التفكير الذي كان مصدرًا لاعتزازنا بأجدادنا في الماضي — أعني الأسلوب العلمي — ينبغي أن يكون هدفًا من أهدافنا التي نَحرِص عليها في الحاضر بدوره، وأن المعركة التي يشنُّها الفكر المتخلف على كل من يدعو إلى المنهج العلمي في التفكير، ستقف عائقًا في وجه جهودنا من أجل اللحاق بركب العصر، بل ستُلْقِي ظلالًا من الشك حول مدى إخلاصنا في التغني بأمجاد «ابن حيان» و«الخوارزمي» و«ابن الهيثم» و«البيروني»، الذين كانوا يقفون في الصف الأول من العقول التي تُفكِّر بالأسلوب العلمي في عصورهم.

اختبار الاسترجاع

اكتب قبل أن تراجع مرة أخرى

حُفظت إجابتك

أسئلة تثبيت الفهم

  1. ما التناقضان اللذان يراهما المؤلف في موقفنا من العلم؟
  2. لماذا لا يكفي التغني بأمجاد العلماء القدامى؟
  3. ما الذي يدل على أن احترام الماضي العلمي صادق فعلًا؟