المقطع السادس · 22:35–28:50

التفكير العلمي في المجتمع والمستقبل

ينتقل التفكير العلمي من الفرد إلى المجتمع عبر التخطيط المنظم في الاقتصاد والتربية والثقافة وغيرها. ويرى المؤلف أن العشوائية لم تعد كافية لمجتمع يريد التقدم والبقاء في المستقبل.

100٪
النص الأصلي٦٦٣ كلمة

أما على مستوى المجتمعات البشرية، فقد أصبحَت النظرة العلمية ضرورة لا غناء عنها في أي مجتمع معاصر لا يودُّ أن يعيش في الظلِّ بين سائر المجتمعات. وحسبُنا أن نشير إلى أن مبدأ التخطيط — وهو مبدأ أساسي حاوَلت بعض الأنظمة الاجتماعية إنكار أهميته في بادئ الأمر ولكنها اضطرت إلى تطبيقه على نطاق واسع فيما بعد — هذا المبدأ إنما هو تطبيق مباشر لمفهوم التفكير العلمي المنهجي من أجل حلِّ مشكلات المجتمع البشري، ولقد أصبح من المألوف في عالمنا المعاصر أن نسمع تعبيرات كالتخطيط الاقتصادي أو الخطة الاقتصادية والتخطيط الاجتماعي والتخطيط التربوي والعلمي والتخطيط الثقافي، وكلها تعبيرات تدلُّ على اعتراف المجتمع الحديث بأن ميادين أساسية للنشاط البشري — كالاقتصاد والشئون الاجتماعية والتربية والعلم والثقافة — أصبحت توجَّه بطريقة علمية منظَّمة، بعد أن كانت تُتْرَك لتنمو على نحو تلقائي، أو تخضع لتنظيمات مؤقتة تغيب عنها الصورة الشاملة للميدان بأكمله، وتَسري خلال وقت محدود فحسب. وكل نجاح يُحرزه التخطيط في عالَمنا المعاصر إنما هو نجاح للنظرة العلمية في تدبير شئون الإنسان، بل إنَّ العلم تغلغل بادئ الأمر في ميادين ظلَّ الناس طويلًا يتصوَّرون أنها بمنأى عن التنظيم المنهجي والتخطيط المدروس؛ فنحن نسمع اليوم عن دعاية سياسية «علمية» استطاعت بفضلها الدول أن تنشر المبادئ والأفكار التي ترى من مصلحتها نشرها — إما بين أفراد شعبها وإما بين أفراد الشعوب الأخرى — بطريقة مدروسة تؤدي إلى تيسير قبول العقول لهذه المبادئ وإضعاف قدرتها على مقاومتها بالتدريج، ومنذ الوقت الذي افتتح فيه «جوبلز» — الوزير النازي المشهور — عهد الدعاية «العلمية»، لم تعد هناك دولة حديثة إلا وتلجأ — بصورة أو بأخرى — إلى تلك الأساليب المنظمة المدروسة في الإقناع وتشكيل العقول. وقل مثل هذا عن أعمال التجسس ونشاط أجهزة المخابرات التي أصبحت لها مدارس ومناهج منظمة، بعد أن كانت تعتمد على الاجتهاد الفردي، وأصبحت تستعين بأحدث الكشوف العلمية وبأكبر عدد من العلماء المتخصِّصين؛ كيما تؤدي عملها على نحوٍ فعال.

وإذا كان العلم في الميدانين السابقين يُسْتَخْدَم على نحوٍ قد يتعارض أحيانًا مع القيم الإنسانية الشريفة، فإنه في ميادين أخرى يُسْتَخْدَم على نحو يُثري رُوح الإنسان أو يزيد من قدراته الروحية الجسمية. في ميدان الفنون أتيح للأجيال التي تعيش في القرن العشرين أن تتلقى دروسًا وتدريبات — في ميادين الإبداع أو الأداء الفني — لم تكن مُتاحة إلا على نطاق ضيق للأجيال السابقة، وكان من نتيجة ذلك اتساع ثقافة الفنان وإلمامه بأصول فنه، وبلوغ الفنون الأدائية (كالموسيقى والرقص والتمثيل) مستويات تصل أحيانًا إلى حدِّ الإعجاز. كذلك أصبحت الرياضة البدنية عِلمًا بالمعنى الصحيح، بعد أن كانت تعتمد على الاجتهاد الشخصي، وتمكَّن الإنسان — بفضل التدريب المنهجي المدروس — من بلوغ نتائج كانت تدخل من قبل في باب المستحيلات، وهكذا أصبحت حياة المجتمعات الحديثة — في سياستها وحربها وسِلمها وجدِّها ولَهوها — منظمة تنظيمًا علميًّا منضبطًا ودقيقًا، ولم يعد في وسع مجتمع لديه أدنى قدر من الطموح أن يسير في أموره بالطريقة العفوية التي كانت سائدة في عصور ما قبل العلم. وإذا كنا — في الشرق بوجه خاص — نَسمع بين الحين والحين أصواتًا تحنُّ إلى العهد التلقائي في أي ميدان من الميادين، فلنكن على ثقة من أن أصحاب هذه الدعوات إما مُغْرَقون في رومانسية حالمة، وإما مدفوعون بالكسل إلى كراهية التنظيم العلمي الذي لا يُنكر أحد أنه يتطلب جهدًا شاقًّا. وسواء أكان الأمر على هذا النحو أو ذاك، فقد آن الأوان لأن نعترف — في شجاعة وحزم — بأن عصر التلقائية والعشوائية قد ولى، وبأن النظرة العلمية إلى شئون الحياة في ميادينها كافة هي وحدها التي تضمن للمجتمع أن يسير في طريق التقدم خلال القرن العشرين، وهي الحد الأدنى الذي لا مفرَّ من توافُره في أي مجتمع يودُّ أن يكون له مكان في عالم القرن الحادي والعشرين، الذي أصبح أقرب إلينا مما نظن، وإذا كان بعض من يعيشون معنا في الربع الأخير من القرن العشرين غير مقتنعين حتى اليوم بجدوى الأسلوب العلمي في معالجة الأمور، وإذا كانوا لا يزالون يَضعون العراقيل أمام التفكير العلمي حتى اليوم، فليُفكِّروا لحظة في أحوال العالم في القرن القادم الذي سيَعيش فيه أبناؤهم، ومن هذه الزاوية فإني أعدُّ هذا الكتاب محاولةً لإقناع العقول — في عالمنا العربي — بأن أشياء كثيرة ستفوتنا لو امتثلنا للاتجاهات المُعادية للعلم، وبأن مجرد البقاء في المستقبل — دون نظرة علمية وأسلوب علمي في التفكير — سيكون أمرًا مشكوكًا فيه.

اختبار الاسترجاع

اكتب قبل أن تراجع مرة أخرى

حُفظت إجابتك

أسئلة تثبيت الفهم

  1. كيف يطبق المجتمع التفكير العلمي عمليًا؟
  2. اذكر مجالين دخلهما التنظيم العلمي كما ورد في المقطع.
  3. لماذا يربط المؤلف النظرة العلمية بقدرة المجتمع على البقاء؟